في خضم الحرب المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، لم تعد الضربات الجوية والعمليات الاستخباراتية تقتصر على الداخل الإيراني فقط. بل باتت إسرائيل، في تطور واضح لاستراتيجيتها، تستهدف بانتظام حلفاء طهران في لبنان، سوريا، العراق، واليمن. هذا النمط الجديد من التصعيد يطرح تساؤلات جوهرية حول النوايا الإسرائيلية طويلة الأمد: هل تسعى إسرائيل إلى تحييد “محور المقاومة” بالكامل؟ وما هي الرسائل الكامنة وراء هذه الضربات المتعددة الجبهات؟
ما هو “محور المقاومة”؟
“محور المقاومة” هو مصطلح يُستخدم لوصف التحالف العسكري والسياسي الذي تقوده إيران ويضم:
- حزب الله في لبنان
- الميليشيات الشيعية في العراق مثل الحشد الشعبي وكتائب حزب الله
- النظام السوري بقيادة بشار الأسد
- الحوثيين في اليمن
يُعتبر هذا المحور أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني الإقليمي، حيث تعتمد طهران عليه لتوسيع دائرة تأثيرها، والرد غير المباشر على خصومها.
الأهداف الإسرائيلية: بين التكتيكي والاستراتيجي
الضربات الإسرائيلية التي طالت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان، ومخازن أسلحة للحشد الشعبي في العراق، ومنشآت لوجستية في سوريا، وقواعد للمسيّرات الحوثية في اليمن، تهدف إلى ما هو أبعد من الرد الفوري. بل تعكس أهدافًا بعيدة المدى، أبرزها:
- تفكيك البنية التحتية للمحور قبل اندلاع مواجهة مباشرة شاملة.
- منع إيران من استخدام حلفائها كورقة ضغط متزامنة على عدة جبهات.
- إضعاف الردع الإيراني عبر تحجيم أدواته الإقليمية.
حزب الله في عين العاصفة
لطالما شكّل حزب الله التهديد الأكبر لإسرائيل على الجبهة الشمالية. ومع بداية الحرب الأخيرة، بات الحزب هدفًا يوميًا للطائرات الإسرائيلية، خاصة في البقاع وجنوب لبنان.
ورغم امتلاكه ترسانة صاروخية ضخمة، إلا أن الضربات الإسرائيلية الدقيقة تشير إلى استراتيجية تهدف إلى:
- ضرب مخازن الأسلحة النوعية
- تصفية قيادات ميدانية
- تفكيك شبكات الاتصالات والمراقبة
إسرائيل لا تريد الدخول في حرب شاملة مع حزب الله، لكنها في الوقت نفسه تسعى لإفراغ قدراته قبل أي مواجهة محتملة.
العراق: خط إمداد تحت القصف
الميليشيات الشيعية في العراق، وخاصة كتائب حزب الله والنجباء، كانت منذ سنوات إحدى أهم أدوات طهران في الرد غير المباشر. ومع تصاعد التوتر، استهدفت إسرائيل مواقع هذه الفصائل في غرب العراق.
تهدف هذه الضربات إلى:
- قطع خطوط الإمداد بين إيران وسوريا عبر العراق
- منع نقل الأسلحة إلى حزب الله
- إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي
سوريا: المسرح الدائم للضربات
منذ أكثر من عقد، تعتبر سوريا الساحة الأكثر تعرضًا للغارات الإسرائيلية، لكنها الآن أصبحت مركزية في المعركة الحالية. فقد استهدفت إسرائيل مطارات، قواعد إيرانية، ومستودعات سلاح متقدمة.
الهدف الإسرائيلي هنا ثلاثي الأبعاد:
- منع تمركز إيراني دائم في سوريا
- إجهاض مشروع ممر بري من طهران إلى بيروت
- تحجيم قوة النظام السوري ومنعه من لعب دور داعم مباشر في الحرب الحالية
اليمن: تحييد الذراع البعيدة
رغم البعد الجغرافي، فإن الحوثيين برزوا كأداة فعالة لإيران، خاصة عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تهدد البحر الأحمر وحتى العمق الإسرائيلي. الضربات الإسرائيلية الأخيرة ضد مواقع حوثية في صعدة ومحيط صنعاء حملت عدة رسائل:
- أن العمق الإسرائيلي ليس بعيدًا عن متناول الحوثيين
- أن إسرائيل مستعدة للتدخل خارج “جغرافيتها المباشرة”
- وأن التحالفات الإقليمية لإيران لن تُترك دون ردع
تحييد أم استفزاز؟ المخاطر المرتبطة بالتصعيد
رغم أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الضربات إلى إضعاف محور المقاومة، إلا أن المخاطر المترتبة على هذا التصعيد لا تقل شأنًا:
- احتمال نشوب حرب متعددة الجبهات في حال قررت الأطراف المستهدفة الرد.
- انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة بمشاركة فاعلين غير دول.
- توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.
الخلاصة: لعبة كسر الإرادات
الضربات الإسرائيلية ضد حلفاء طهران تعكس تحولًا من الرد الدفاعي إلى الهجوم الاستباقي، وهي رسالة بأن تل أبيب لن تنتظر حتى تكتمل الدوائر حولها. لكنها أيضًا تفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة، في مشهد إقليمي بالغ التعقيد.
هل ستنجح إسرائيل في تحييد محور المقاومة فعليًا؟ أم أن هذا المحور، رغم الضربات، سيعيد تنظيم صفوفه ويعود أكثر قوة؟ الأيام القادمة كفيلة بالكشف عن شكل الصراع القادم: متقطع عبر الوكلاء، أم شامل يغيّر وجه المنطقة.
