في العقود الماضية، ظلت السينما المغربية محصورة في مساحات ضيقة، تتأرجح بين المحاولات المستقلة والمساهمات الرسمية المترددة. لكنها اليوم تشهد تحوّلًا لافتًا، لا بفعل الدعم المؤسساتي فقط، بل بفضل دفعة جديدة من المبدعين: خرّيجو معاهد السينما ومدارس الفنون السمعية البصرية، الذين يشكلون ملامح موجة مغربية جديدة تعيد تشكيل علاقة الفن بالواقع.
هذه الموجة ليست مجرد تغيير في الوجوه، بل تحوّل في اللغة السينمائية ذاتها، في المواضيع المختارة، وفي الجرأة في الطرح. من قصص الهوامش الاجتماعية إلى قضايا النوع والهجرة والهوية، يقترب هؤلاء الشباب من الأسئلة الساخنة بروح فنية ووعي تقني لا يُستهان به.
من الفكرة إلى الفيلم: دارسي السينما يقتحمون المشهد
ما يميز هذه المرحلة الجديدة هو أن عدداً متزايداً من الأعمال السينمائية أصبح يحمل توقيع خريجين أكاديميين، درسوا الإخراج وكتابة السيناريو والإنتاج، ويمزجون ما تعلموه نظريًا مع رؤيتهم للواقع المغربي المعيش.
أفلام مثل “ميلوديا المهاجر” أو “الفتاة التي لا تحب الشاي” لا تكتفي بسرد قصة، بل تطرح قضايا الهجرة غير النظامية، أو قيود المجتمع المحافظ على الشابات، بلغة بصرية حديثة وتقنيات متقنة جعلت من بعض هذه الأعمال مادة للاحتفاء في مهرجانات دولية.
وهنا تتضح قيمة التكوين الأكاديمي، ليس فقط في الجانب الفني، بل في تمكين المخرج من تحليل مجتمعه، اختيار زوايا صعبة، وبناء سردية متماسكة تلامس المتلقي دون الوقوع في المباشرة أو الافتعال.
مهرجانات داخلية تحتضن… ومنصات عالمية ترحب
لم يعد الطريق إلى السينما يمر حصريًا عبر بوابة المركز السينمائي المغربي، رغم أهميته. فدارسو السينما الشباب وجدوا في المهرجانات الجهوية والمحلية مختبرات للتجريب، وفي المهرجانات الدولية فرصة لإبراز أعمالهم.
اللافت أن منصات مثل نتفليكس وأمازون برايم بدأت تلتفت إلى التجربة المغربية، وخاصة الأعمال التي تدمج بين الواقع المحلي وجودة الإنتاج. أعمال دراسية قصيرة، أنتجت في سياق تخرّج جامعي، وجدت طريقها إلى فضاءات واسعة بسبب صدقها وفرادتها.
التمويل… سؤال المرحلة
رغم هذه الانطلاقة، تبقى مسألة التمويل حجر عثرة. فالمخرجون الشباب غالبًا ما يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما انتظار دعم قد لا يأتي، أو خوض تجربة التمويل الذاتي بما تحمله من صعوبات.
ومع ازدياد عدد صانعي الأفلام المستقلين، بدأت تظهر مبادرات جديدة لتمويل المشاريع الصغيرة، سواء عبر حملات التمويل الجماعي أو عبر شراكات مع منظمات ثقافية تهتم بالتمثيل المتنوع في الفنون.
إلى أين تتجه السينما المغربية؟
السينما المغربية تعيش لحظة انتقالية، وقد يكون خرّيجو معاهد السينما أحد أهم محركات هذا التحول. هذه ليست مجرد موجة عابرة، بل بداية لإعادة رسم ملامح الهوية السينمائية المغربية، من خلال أعمال تتكئ على تكوين أكاديمي، وتستند إلى وعي اجتماعي، وتُترجم بلغة بصرية متجددة.
الأسئلة كثيرة، والمشهد لا يزال يتشكّل، لكن المؤكد أن دارسي السينما المغربية ليسوا مجرد طلاب تخرجوا، بل مبدعون جاؤوا ليبقوا… وربما ليغيّروا وجه السينما المغربية كما نعرفها.
