في الرابع عشر من يونيو 2025، أعلنت إسرائيل رسميًا أن أحد أهدافها الرئيسية في عملية “الأسد الصاعد” قد تحقق: مقتل اللواء حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني، في غارة جوية دقيقة استهدفت مقرًا سريًا في مدينة أصفهان. سلامي لم يكن مجرد ضابط عسكري رفيع؛ بل كان أحد أبرز وجوه النظام الإيراني، ورمزًا للعقيدة العسكرية والهجومية التي تبناها الحرس الثوري في السنوات الأخيرة. وفاته تمثل ضربة نفسية ومعنوية وتنظيمية كبرى لإيران، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحرس الثوري، وتوازنات السلطة، وقدرات الرد الاستراتيجي الإيراني.
أهمية حسين سلامي داخل النظام الإيراني
تولّى سلامي قيادة الحرس الثوري في أبريل 2019، وتركزت استراتيجيته على تعزيز قدرات الردع الصاروخية، وتوسيع نفوذ إيران الإقليمي من خلال دعم الحركات المسلحة في العراق، سوريا، لبنان، واليمن. كان معروفًا بخطابه المتشدد، وولائه المطلق للمرشد الأعلى علي خامنئي، واعتُبر مهندس التحولات العسكرية الإيرانية بعد اغتيال قاسم سليماني.
تحت قيادته، شهد الحرس الثوري تطورًا نوعيًا في منظومات الدفاع الجوي، وقدرات الحرب السيبرانية، وسلاح المسيّرات، فضلًا عن ترسيخ علاقات وثيقة مع الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن. ومن هنا، فإن استهدافه لم يكن مجرد تصفية جسدية، بل محاولة لضرب عقل استراتيجي داخل هيكل القيادة الإيرانية.
الأثر المباشر على بنية القيادة في الحرس الثوري
مقتل سلامي شكّل فراغًا قياديًا مفاجئًا في وقت حساس يشهد فيه النظام الإيراني تصعيدًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا. ورغم أن النظام عيّن العميد إسماعيل قاآني مؤقتًا في المنصب، فإن الأخير يفتقر إلى الكاريزما والقدرة التعبوية التي تمتع بها سلامي، ما يطرح تساؤلات حول وحدة القرار داخل الحرس الثوري.
كما أن عملية اغتياله تسببت في ارتباك داخلي مؤقت، تمثل في تأخير إصدار أوامر الرد السريع، والانقسامات الظاهرة في خطاب المسؤولين بين الدعوة للانتقام، أو التريث والتنسيق مع الحلفاء قبل أي تصعيد إضافي. هذا التردد يعكس بوضوح أن سلامي كان حلقة الوصل بين القيادة العليا والوحدات التنفيذية.
تأثير الاغتيال على قدرة الرد الإيراني
من الناحية التكتيكية، الحرس الثوري لا يزال يمتلك القدرة على الرد، سواء من خلال إطلاق صواريخ باليستية، أو تحريك حلفائه الإقليميين. ولكن من الناحية الاستراتيجية، فإن غياب سلامي قد يؤثر على دقة التنسيق والتخطيط طويل الأمد.
فالعمليات التي تتطلب قيادة عالية المستوى، مثل شن هجوم منسق على أهداف إسرائيلية أو أمريكية عبر عدة جبهات (لبنان، سوريا، العراق، اليمن)، كانت تحتاج إلى شخصية مثل سلامي قادرة على ضبط التوقيت، والتنسيق اللوجستي، وإدارة ردود الفعل السياسية. وغيابه قد يؤدي إلى ردود فعل غير متجانسة، أو قرارات متسرعة.
الرسائل الإسرائيلية من اغتيال سلامي
اغتيال قائد بهذا الحجم لا يُمكن تفسيره فقط في سياق الرد على التهديد النووي الإيراني. إسرائيل أرادت من هذه الضربة توجيه رسالة مزدوجة: أولًا، أنها قادرة على اختراق العمق الإيراني وتنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف بالغة الحماية. وثانيًا، أنها ستستهدف رأس القيادة وليس فقط البنية التحتية.
بعبارة أخرى، أرادت إسرائيل أن تُشعر القيادة الإيرانية بأنها مكشوفة، وأن الحرب القادمة لن تكون ضد مؤسسات فقط، بل ضد الأفراد الذين يشكّلون العمود الفقري للعقيدة العسكرية الإيرانية. هذه الرسالة يمكن أن تُحدث ردعًا معنويًا، لكنها في المقابل، قد تدفع إيران للرد بطريقة نوعية للرد على هذا “الاختراق الرمزي”.
البعد الشعبي والسياسي داخل إيران
رد الفعل الشعبي داخل إيران على مقتل سلامي كان مختلطًا. ففي حين نظّم النظام مراسم تشييع رمزية، وأطلق عليه لقب “شهيد الأمة”، فإن قطاعات من الشعب ـ خاصة في المحافظات غير الفارسية ـ أبدت لا مبالاة واضحة، ما يعكس أزمة ثقة أعمق بين النظام وشعبه.
سياسيًا، قد تستغل القيادة الإيرانية اغتيال سلامي لتعبئة الجمهور، وتعزيز قبضتها الأمنية تحت ذريعة وجود تهديد خارجي مباشر. إلا أن خطر الاحتجاجات الشعبية لا يزال قائمًا، خصوصًا إذا أدت المواجهة مع إسرائيل إلى تدهور اقتصادي أوسع أو إغلاق مضيق هرمز.
ماذا بعد سلامي؟ خيارات إيران وردودها المحتملة
- رد محدود لكن نوعي: مثل استهداف مواقع حساسة داخل إسرائيل بمسيّرات أو صواريخ متقدمة، بهدف إيصال رسالة دون التسبب في حرب مفتوحة.
- اغتيال مقابل اغتيال: وهو احتمال وارد، حيث قد تسعى إيران لاستهداف شخصية عسكرية أو استخباراتية إسرائيلية بارزة.
- تصعيد تدريجي عبر الوكلاء: تحريك حزب الله، الحوثيين، أو الفصائل العراقية في عمليات ضغط طويلة الأمد.
- ضبط النفس والرهان على الدبلوماسية: للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي والخارجي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الأمريكية.
الخلاصة: هل خسرت إيران أكثر من شخص؟
مقتل حسين سلامي لا يُعد فقط خسارة فردية للنظام الإيراني، بل ضربة استراتيجية قد تؤثر على تماسك الحرس الثوري، وفعالية عملياته، وتوازن الردع في المنطقة. بينما تحاول طهران امتصاص الصدمة، تبقى التساؤلات مفتوحة: هل يملأ قاآني الفراغ؟ وهل يُحدث اغتيال سلامي تغيرًا في العقيدة العسكرية الإيرانية؟
في الوقت الذي تترقب فيه المنطقة الرد الإيراني، يبدو أن اغتيال سلامي قد يكون بداية فصل جديد في الصراع، يتسم بالمفاجآت والتصعيد المحسوب، وربما بتغيرات جذرية داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية.
