منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، تتجه أنظار العالم إلى البيت الأبيض. فمع تصاعد الهجمات الصاروخية والمسيّرات، والاغتيالات المتبادلة، والخطاب الحربي المتصاعد، بات السؤال المطروح ليس فقط حول مسار الحرب، بل عن دور واشنطن في تحديد نهاياتها أو إشعال مراحل جديدة منها. فهل تتحضر الولايات المتحدة فعليًا لتدخل إقليمي واسع؟ أم تكتفي بإدارة الأزمة من بعيد؟
واشنطن بين الحليف والداعم: موقف متأرجح
تاريخيًا، تشكل إسرائيل أحد أقرب الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة. لكن التعقيدات الجيوسياسية اليوم تختلف عما كانت عليه في العقود الماضية. فإدارة الرئيس الأمريكي الحالي تواجه ضغوطًا داخلية من الكونغرس والرأي العام، وفي الوقت نفسه تحاول تجنب الانزلاق في حرب واسعة في منطقة ملتهبة أصلًا.
الموقف الأمريكي حتى اللحظة يبدو مزدوجًا:
- دعم لوجستي واستخباراتي لإسرائيل.
- دعوات معلنة لضبط النفس وعدم التصعيد.
- تحركات عسكرية لافتة في القواعد الأمريكية بالخليج وشرق المتوسط.
هذا التناقض يعكس مأزق واشنطن بين دعم حليفها التاريخي، وحماية مصالحها الواسعة في المنطقة دون التورط عسكريًا بشكل مباشر.
مؤشرات الاستعداد الأمريكي العسكري
منذ الأسبوع الأول للمواجهة الإيرانية–الإسرائيلية، لوحظت تحركات أمريكية غير اعتيادية:
- إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس آيزنهاور” إلى مياه الخليج العربي.
- رفع حالة التأهب في قاعدة العديد بقطر، وقاعدة الظفرة في الإمارات.
- نشر منظومات باتريوت وثاد في عدد من المواقع الخليجية.
إضافة إلى ذلك، أشارت تقارير إلى اجتماعات عاجلة بين قيادات البنتاغون ومسؤولين عسكريين في الأردن والعراق، ما يؤكد وجود استعداد أمريكي فعلي لاحتمال توسع الحرب إقليميًا.
ما الذي تخشاه واشنطن؟
ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تتحول الحرب الحالية إلى صراع إقليمي واسع. فهناك عدة مخاوف حقيقية تحكم الحسابات الأمريكية:
- إغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على أسعار النفط العالمية.
- استهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا.
- تصاعد الهجمات من قبل الحوثيين على السعودية والإمارات.
- توسيع رقعة النزاع إلى لبنان والأردن.
من هذا المنطلق، فإن واشنطن تسعى لتجنب الانفجار، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحذر وحده لا يكفي.
إيران: اختبار الإرادة الأمريكية
إيران بدورها تدرك حساسية الموقف الأمريكي. ولذلك، فهي تسعى إلى اختبار الخطوط الحمراء للولايات المتحدة دون تجاوزها مباشرة. فحتى الآن، لم تُقدم طهران على استهداف مباشر للقوات الأمريكية، لكنها غضت الطرف عن هجمات نفذتها ميليشيات موالية لها في العراق وسوريا.
هذا السلوك يشير إلى أن إيران تريد إشغال أمريكا دون استعدائها، وإرسال رسالة بأن استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل ستكون له كلفة إقليمية.
ماذا لو اتسعت دائرة الحرب؟ السيناريوهات المحتملة
- تدخل أمريكي مباشر: في حال استهدفت إيران أو حلفاؤها قواعد أمريكية.
- دعم إسرائيلي مفتوح بالسلاح والمعلومات: مع بقاء القوات الأمريكية خارج المعركة.
- وساطة دبلوماسية مكثفة: تقودها واشنطن لمنع التصعيد، خصوصًا مع تدخل أطراف أوروبية وروسيا.
- توسيع العقوبات على إيران: كوسيلة ضغط بديلة عن التدخل العسكري.
موقف واشنطن من الحلفاء العرب
الحرب الحالية تضع الولايات المتحدة في موقف محرج أيضًا تجاه حلفائها الخليجيين. فبينما تخشى هذه الدول من تداعيات الحرب على أمنها، فإنها لا ترغب كذلك في أن تصبح أراضيها ساحة للصراع.
واشنطن تحاول طمأنة هذه الدول عبر:
- تعزيز دفاعاتها الجوية.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية.
- ضمانات أمنية خاصة في حال توسع نطاق المواجهة.
لكن ذلك لا يمنع وجود قلق متزايد من أن تكون هذه الدول هدفًا انتقاميًا من إيران أو وكلائها.
الداخل الأمريكي: ضغوط السياسة والانتخابات
القرار الأمريكي لا يُصنع في غرف البنتاغون فقط، بل في أروقة السياسة الداخلية. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، فإن أي تورط مباشر في حرب جديدة قد يكون مكلفًا سياسيًا.
الرئيس الحالي يواجه:
- ضغوطًا من الجمهوريين لتبني موقف أكثر صرامة.
- دعوات من الجناح التقدمي لتجنب أي مغامرة عسكرية.
- تراجعًا في استطلاعات الرأي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد القلق الشعبي من التورط في حرب خارجية.
خاتمة: واشنطن في مفترق طرق
الحرب الإيرانية–الإسرائيلية تضع واشنطن أمام معادلة معقدة: كيف تدعم إسرائيل دون إشعال المنطقة؟ وكيف تحمي مصالحها دون أن تصبح طرفًا مباشرًا في حرب متعددة الجبهات؟
بين الحسابات العسكرية، والضغوط السياسية، والتوازنات الإقليمية، يبدو أن الولايات المتحدة تتهيأ لرد إقليمي، ليس بالضرورة من باب الهجوم، بل من باب منع الانفجار الكامل. فهل تنجح في ذلك؟ أم أن الشرق الأوسط سيجرّها مرة أخرى إلى مستنقع حرب لا تريدها؟
