في الثالث عشر من يونيو 2025، نفّذت إسرائيل واحدة من أجرأ العمليات العسكرية في تاريخ صراعها مع إيران، تحت اسم “الأسد الصاعد”، والتي استهدفت فيها مواقع عسكرية ونووية استراتيجية داخل العمق الإيراني. الضربات التي شملت منشآت في أصفهان، مشهد، والأحواز، تسببت في مقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة شاملة، أو حتى مقدمة لحرب عالمية ثالثة. هذه العملية فتحت باباً واسعاً للتحليل الاستراتيجي حول النوايا الإسرائيلية، والرد الإيراني، ومواقف القوى الدولية.
الأهداف الظاهرة للعملية: ضرب القدرات النووية والعسكرية الإيرانية
من الناحية الميدانية، استهدفت العملية الإسرائيلية منشآت تعتبرها تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها القومي. من بين الأهداف التي شملتها الضربات كانت منشآت تخصيب اليورانيوم في نطنز وأصفهان، بالإضافة إلى مراكز قيادة تابعة للحرس الثوري ومستودعات لصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.
الضربات، بحسب تقارير غربية، نفّذت بدقة عالية باستخدام طائرات F-35 ومسيّرات متقدمة من طراز “هاروب” و”هيرون”، بالإضافة إلى صواريخ كروز أطلقت من غواصات إسرائيلية شرق المتوسط. وكان واضحًا أن الهدف ليس فقط تدمير البنية التحتية النووية والعسكرية، بل أيضًا توجيه رسالة ردع قوية لطهران.
ما وراء الضربات: أهداف استراتيجية تتجاوز إيران
رغم أن الضربات ركزت على أهداف إيرانية، إلا أن الرسائل التي حملتها العملية تجاوزت الحدود الجغرافية لإيران. أولاً، أرادت إسرائيل أن تؤكد أنها ما تزال تحتفظ بزمام المبادرة في الساحة الأمنية الإقليمية، خصوصًا بعد شهور من التصعيد في غزة، وتهديدات حزب الله المتكررة. ثانيًا، كانت هناك رسالة غير مباشرة للولايات المتحدة بأن تل أبيب لن تنتظر إذنًا أو غطاءً سياسيًا للمضي في حماية مصالحها الاستراتيجية.
ثالثًا، حملت العملية رسالة ردع لحلفاء إيران الإقليميين، خصوصًا حزب الله في لبنان والمليشيات الولائية في العراق وسوريا، بأن أي دعم لرد إيراني واسع سيقابل بضربات إسرائيلية موجعة قد تطال العمق اللبناني والعراقي والسوري.
الرد الإيراني: بين الاحتواء والتصعيد
بعد ساعات من الضربات، أطلقت إيران موجة من الصواريخ الباليستية وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية في النقب والجليل والساحل الأوسط. ورغم أن منظومة القبة الحديدية وأنظمة الدفاع “مقلاع داوود” و”حيتس-3″ نجحت في اعتراض معظمها، فإن الهجمات أظهرت أن إيران قادرة على الرد بسرعة وفعالية.
إلا أن طبيعة الرد كشفت أيضًا عن رغبة طهران في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. فقد تجنبت استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وامتنعت عن استخدام كامل قوتها الصاروخية، وأبقت على قنوات دبلوماسية مفتوحة عبر قطر وسلطنة عمان.
هل كانت الضربة مفاجئة؟ قراءة في الاستعدادات الإسرائيلية
بعيدًا عن التنفيذ العسكري، كانت هناك مؤشرات متصاعدة على نية إسرائيل تنفيذ ضربة استباقية. تقارير استخباراتية تسربت في مايو 2025 تحدثت عن تدريبات إسرائيلية واسعة النطاق في النقب، ومناورات مشتركة مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر، واختبارات على قدرات سلاح الجو الإسرائيلي في التزود بالوقود جوًا لمسافات طويلة.
كما تم رصد تحركات لقطع بحرية إسرائيلية قرب قناة السويس، ما فُسر على أنه جزء من الاستعدادات اللوجستية لأي عملية بعيدة المدى. بمعنى آخر، فإن الضربة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة تخطيط طويل وتقدير استخباراتي بأن إيران باتت على وشك تجاوز العتبة النووية.
الموقف الدولي: انقسام حذر وتخوّف من التصعيد
المجتمع الدولي تفاعل مع العملية الإسرائيلية بمزيج من القلق والتحفظ. الولايات المتحدة، رغم تحالفها الاستراتيجي مع تل أبيب، لم تصدر بيان دعم مباشر، بل دعت إلى التهدئة وضبط النفس. من جانبها، نددت روسيا والصين بالهجوم، معتبرتين أنه خرق للقانون الدولي وسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد دعا إلى العودة للمفاوضات النووية، في حين اتخذت دول الخليج مواقف متباينة، بين دعم ضمني للخطوة الإسرائيلية وتخوف من تبعاتها على استقرار المنطقة. تركيا حاولت أن تلعب دور الوسيط، بينما أبدت الهند واليابان قلقًا من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة.
التحليل الاستراتيجي: هل تحقق إسرائيل مكاسب طويلة الأمد؟
رغم النجاح التكتيكي للعملية، تبقى الأسئلة الكبرى حول المكاسب الاستراتيجية لإسرائيل. فإيران، وإن تلقت ضربة موجعة، لم تُشل قدراتها بالكامل، ولا تزال تحتفظ بترسانة صاروخية ضخمة، وحلفاء فاعلين في عدة جبهات.
كما أن الضربة قد تُستخدم كذريعة من قبل النظام الإيراني لتسريع برنامجه النووي بذريعة الدفاع عن النفس، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وهناك أيضًا احتمال أن تستغل إيران العملية لكسب تعاطف داخلي وخارجي، وتحويل الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بها.
السيناريوهات المقبلة: بين الحرب الشاملة وضبط التصعيد
- حرب شاملة: في حال قررت إيران وحلفاؤها تنفيذ رد واسع يستهدف الأراضي الإسرائيلية أو القواعد الأمريكية، فإن احتمالات التصعيد نحو حرب إقليمية أو حتى عالمية تصبح واردة.
- ردود غير متماثلة: قد تلجأ إيران إلى تنفيذ هجمات سيبرانية، أو تحريك وكلائها في العراق وسوريا ولبنان لتنفيذ عمليات نوعية، دون الانخراط في حرب مباشرة.
- ضبط التصعيد: وهو السيناريو المرجح، حيث تسعى الأطراف إلى الاحتواء، مع استمرار التهديدات المتبادلة، وعودة النشاط الدبلوماسي عبر قنوات الوساطة.
الخاتمة: ما بعد “الأسد الصاعد”
عملية “الأسد الصاعد” لن تكون مجرد حدث عسكري عابر في تاريخ الصراع الإيراني–الإسرائيلي، بل تمثل نقطة تحوّل في قواعد الاشتباك، وربما في النظام الإقليمي ككل. وبينما قد تكون إسرائيل حققت جزءًا من أهدافها التكتيكية، إلا أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال طويلًا ومعقدًا.
يبقى أن الأعين الآن تتجه إلى ردود الأفعال الإقليمية والدولية، وإلى مدى قدرة إيران على امتصاص الضربة دون الانزلاق نحو المجهول. أما المنطقة، فهي لا تزال تقف على حافة البركان، في انتظار ما إذا كان سيهدأ، أم ينفجر من جديد.
