في فجر السابع عشر من يونيو 2025، نفذت إيران أوسع رد عسكري مباشر على إسرائيل منذ عقود، باستخدام أكثر من 120 صاروخًا باليستيًا وطائرات مسيرة انتحارية استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية في العمق الإسرائيلي. رغم أن الرد أتى بعد اغتيال قائد الحرس الثوري حسين سلامي، إلا أن توقيته، وحجمه، وطبيعته، تطرح تساؤلات جوهرية: هل تخلّت إيران عن أسلوبها المعهود في الحروب غير المتماثلة؟ وهل نشهد الآن بداية تحول استراتيجي نحو الحرب التقليدية؟
الفصل الجديد: قراءة في طبيعة الرد الإيراني
يُعرف عن إيران تبنيها لاستراتيجية “الحرب غير المتماثلة” عبر وكلاء وحلفاء في لبنان والعراق واليمن وسوريا. لكن الرد الأخير بدا مختلفًا، سواء من حيث الشكل أو المضمون. استخدام صواريخ متوسطة المدى ومسيّرات هجومية انطلقت من الأراضي الإيرانية مباشرة تجاه إسرائيل يُعد تطورًا لافتًا في العقيدة الإيرانية، ورسالة مفادها أن طهران لم تعد تكتفي بالحروب بالوكالة.
إضافة إلى ذلك، أشارت تقارير استخباراتية إلى أن بعض الضربات استهدفت مراكز القيادة والتحكم الإسرائيلية، ما يدل على أن إيران لا ترد فقط، بل تختار أهدافًا ذات قيمة عسكرية عالية، وفق تنسيق استخباراتي معقد.
الحسابات الإيرانية: ما الذي تغيّر؟
تعتمد طهران في قراراتها العسكرية على توازن دقيق بين الردع والمخاطرة. ولكن في الحالة الراهنة، يبدو أن هناك تحوّلًا في المعادلة:
- مقتل سلامي و”الإهانة الاستراتيجية” التي مثلها الاختراق الإسرائيلي للعمق الإيراني دفعت النظام إلى ضرورة الرد علنًا.
- تآكل فعالية الردع غير المباشر عبر الحلفاء، ما استوجب تدخلًا مباشرًا من الدولة الإيرانية.
- رغبة في فرض معادلة جديدة: الرد على الضربات داخل إيران سيكون من إيران نفسها، لا من ميليشياتها.
هذه الحسابات الجديدة تشير إلى أن إيران بدأت تدرك أن الرهانات الجيوسياسية في المنطقة لم تعد تسمح بلعب الأدوار من خلف الستار.
البنية العسكرية الإيرانية: جاهزية لحرب تقليدية؟
يطرح المراقبون تساؤلًا كبيرًا: هل تمتلك إيران فعليًا القدرة على خوض حرب تقليدية؟ الواقع أن إيران، رغم العقوبات، استثمرت في العقود الماضية في تطوير قدراتها الصاروخية، الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة. لكن التحديات تبقى كبيرة:
- تفوق إسرائيل الجوي والتكنولوجي.
- محدودية الدعم الخارجي، خاصة مع التردد الروسي والصيني.
- هشاشة الجبهة الداخلية الإيرانية في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية.
رغم ذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية قررت المجازفة، على الأقل لإحداث توازن ردع مبدئي جديد.
كيف تنظر إسرائيل إلى الرد الإيراني؟
من وجهة نظر إسرائيل، فإن الضربة الإيرانية لا تُعد تغييرًا مفاجئًا فقط، بل تهديدًا لمعادلة الردع التي كانت قائمة منذ أكثر من عقدين. تل أبيب تدرك أن إطلاق صواريخ من إيران مباشرة يشكّل سابقة خطيرة، ولذلك سارعت إلى تفعيل منظومات دفاعية إضافية، واستدعاء قوات الاحتياط، والقيام بسلسلة ضربات مضادة في العمق السوري والعراقي.
لكن في الوقت نفسه، فإن إسرائيل لا ترغب بالدخول في حرب تقليدية طويلة الأمد مع إيران، خاصة في ظل قلقها من الجبهات الشمالية (حزب الله) والجنوبية (غزة)، واحتمال اندلاع انتفاضة داخلية فلسطينية متزامنة.
هل بدأ الفصل الأول من الحرب؟
إن الرد الإيراني لا يُمكن فصله عن التطورات السابقة، من اغتيال سلامي، إلى توجيه ضربات للبنية النووية الإيرانية، إلى التصريحات المتكررة من قادة إسرائيل بأنهم لن يسمحوا لإيران بامتلاك سلاح نووي. وبالتالي، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد جولة رد ورد مضاد، بل مقدمة لتحول أوسع في قواعد الاشتباك.
المؤشرات الميدانية تشير إلى أن:
- إيران باتت أكثر جرأة في استخدام قوتها النظامية.
- إسرائيل باتت أكثر استعدادًا للتصعيد المباشر.
- الأطراف الدولية، خاصة واشنطن، بدأت تضغط لتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
السيناريوهات القادمة: بين التصعيد والتراجع
- تصعيد محدود ومنضبط: عبر ضربات متبادلة محسوبة لا تصل إلى حرب شاملة.
- حرب بالوكالة موسعة: باستخدام جبهات العراق، اليمن، لبنان وسوريا لزيادة الضغط دون مواجهة مباشرة.
- اندلاع حرب شاملة تقليدية: خاصة إذا تم استهداف منشآت حيوية في كلا البلدين.
- تدخل دولي لتجميد المواجهة: عبر وساطة أمريكية أوروبية لفرض وقف إطلاق نار مؤقت.
خاتمة: هل تغيرت قواعد اللعبة؟
من الواضح أن الرد الإيراني بالصواريخ والمسيّرات مثّل نقطة تحول استراتيجية، قد تنقل المواجهة من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة. وعلى الرغم من أن الحرب التقليدية بين إيران وإسرائيل ليست الخيار المفضل لأي من الطرفين، إلا أن كلاهما قد يجد نفسه مجبرًا على خوضها في حال فشل أدوات الردع التقليدية والدبلوماسية.
السؤال الأهم الآن ليس هل ستندلع الحرب؟ بل: هل بدأنا فعلاً نشهد أولى معاركها؟
