لم تمر أيام قليلة حتى كنت مع أبي في لبنان. نمت ليليتين في دير سيدة القلعة الذي أرسلنا إليه الأب (ف) مع توصية لرئيس الدير للاهتمام بي ومساعدتي . طلبت من أبي أن ينام في الدير ، لكنه رفض وذهب إلى أقرب فندق . ركعت حينها أمام تمثال مريم العذراء باكية وطلبت منها أن ترجع إلي مضغتي التي حملتها تسعة أشهر . واسترجعتها بهدوء فالعائلة التي تبنت ابنتي، لم ترد أن تتدخل الشرطة في الامر ، وكانت طيبة جدا حتى انها سامحتني بالمال الذي اعطتني اياه . قالت لي ام ابنتي بالتبني :لا تفرطي بابنتك من جديد انها لا تستحق كل هذا الالم.وعدت إلى سوريا. مرجعة قلبي الى صدري..
صار الوجع أقل بوجود الأب (ف) ، لكنه لم يتلاش فمنعكسات الانتكاسات المتتالية تركت ندبا لا يمكن أن تمحى مع مرور الوقت . كمية الخطوط والتجاعيد على وجهي كانت من صنع نحات بارع أجاد تبيان ما عانيته في حياتي المريرة . أحيانا أمد الريشة وألطخها باللون ، فأبصر أن دمي يسيل من شرايين معصمي التي قطعتها يوما ما في لحظة غياب وغربة متحدية العالم الرديء بمحاولة انتحاري. . لم ابخل بالألوان الفرحة ، كما بخل علي العالم بحياة أسعد بها . الفراغ يملأ بما نتصوره ونحلم أن يكون . لا يمكن أن يحدث العكس إلا في حالات الموت السريري للكائن الحالم المملوء بالعدم . تبنيت عدمي في زمن سابق وسأحاول ألا أدخل في مجاله الاثيري . نهضتي حقا كانت من سطوع نوراني وجّهه الأب( ف) إلى داخلي الكالح ، مما أضاء لي بصيرتي ، وكشف قدرتي على المضي في عالم مشرق هازم للعتمة التي حبسني بها أهلي طويلا . أقمت معارض كثيرة في الدير بتشجيع منه ، وصرت اذهب مع ابنتي إلى الأرض في القصير كل خميس ، حيث نجتمع هناك نحن المتأزمين نفسيا ، نمارس اليوغا ، ورياضة المشي لساعات. نجلس أمام كوخ خشبي ، نضع إبريق الشاي على الحطب المشتعل ، ثم نتحدث بحرية عن همومنا ومشاكلنا دون رقيب . لم يكن الأب (ف) يتدخل إلا نادرا. كنا نشعر بطاقته في المكان ، حتى لو لم يمكن موجودا. هو إنسان متواضع في لباسه وكلامه . محاور بارع رغم أنه يتكلم لغة ثانية غير لغته الأم. الكاهن البتول ، يحمي نفسه باستمرار من شهواته بالصلاة واليوغا ، حتى قتلها تماما. مرة سألته عن حقيقة غريزته الجنسية ، لم أخجل وقتها ، فضحك وقال : أحمل جثة حية في داخلي مثل أي زومبي ، فشهوتي ليست ميتة وليست حية ، بل هي ما بينهما . ابتسمت وقلت له : أنا لا يمكنني أن أعيش في جثة طوال حياتي . أموت عندها . قهقه بفرح حتى سالت دموعه
ضياع في استنبول٢١
22
previous post