عودة الحياة والأدب

ذهبت صحيفة “الغارديان” البريطانية إلى إن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، سيكون في صفوف الزعماء المؤثرين في العام الجديد، مستندة في ذلك على جذع استنتاجات اضطرارية وأخرى عكس ذلك، أولها حسب الصحيفة، تواصل سعيه إلى استعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وذلك لأسباب كثيرة ذكرت منها الصحيفة أوهنها وهو تولي الرئيس، جو بايدن، رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إن الظروف الاقتصادية التي تعانيها تركيا على خلفية سياسات أردوغان الرعناء كانت السبب الأول للمقاطعة الشعبية في السعودية والامارات للبضائع التركية حيث تسببت بتوقف الكثير من المصانع التحويلية في تركيا عن العمل وامتلاء المستودعات بالبضائع التي كانت تتوجه للخليج، ناهيك عن العقوبات الأمريكية والأوروبية وبدء إغلاق الكثير من المصانع الأوروبية الثقيلة التي انتقلت إلى تركيا أيام الشهر العسل التركي مع الاتحاد الأوروبي.
المثير في الأمر إن عودة العلاقات التركية، السعودية، الإماراتية، سترمي بظلالها على المشهد المضطرب في الشرق الأوسط، حيث تقود تركيا واحدة من أكبر مصادر الخطر على الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ألا وهو تنظيم الإخوان المسلمين، الذي تجاوز خطره محيط العالم الإسلامي ليصل إلى أوروبا ويضرب في عواصمه ويهدد استقرارهم، ولن تكون عودة تركيا إلى البيت العربي والدولي إلا مشروطا بالتخلي عن سلاحها الجرثومي وأقصد تنظيم الإخوان المسلمين وقياداته ومصادر تمويله، وهي خطوة ربما تتجاوز مقدرات أردوغان وتهدد مصيره وتؤدي إلى استعادة الدولة التركية دورها مكان التنظيم المسيطر عبر أردوغان على مفاصل الدولة التركية والمتسبب لهذه الإعاقة التي تكاد أن تدخل تركيا في نفق الدول الفاشلة.
من جهة أخرى، تأتي قضية الكرد في تركيا، كامتحان مكرر منذ مئة عام من عمر هذه الدولة، فلا تركيا استطاعت طمس هذه القضية ولا الكرد استطاعوا صياغة مشروع قادر على الحياة في تركيا، فبينما كادت النخب التركية والكردية أن تصل إلى حل في بداية القرن الجديد، إلا إن وصول أردوغان وسيطرة التنظيم العالمي على مفاصل الدولة والمجتمع التركيين أعادا المسألة الكردية إلى زمن الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي، حيث حزب العمال الكردستاني ممثلا للكرد رغما عن ارادتهم بسبب فرض التنظيم العالمي للغة المواجهة والحرب على لغة الحوار المستند على قيم الحداثة الغربية حيث الحديث عن الحقوق والواجبات.
ورطة تركيا في الرهان على العلاقة مع دولة قطر وبناء السياسات انطلاقا من التفكير ب”الحليف القطري”، لم تكن إلا نتيجة سيطرة الجماعة على رأس القيادة التركية وتغلغلها في إدارة الاقتصاد والدفاع التركيين، وعلى عادة جماعة الإخوان في الدول المنكوبة بوجودها راكم التنظيم الاخواني تجربة كبيرة في اختراق مؤسسات الدولة الأكثر رسوخا وتأثيرا، واستطاعت في تركيا وعبر أذرعها المالية في قطر والكويت أن تتغلغل في الإدارة التركية وتضع رجالاتها في مفاصل أساسية في هذه الإدارة، مستثمرة موضوع الفساد الإداري الشائع في الكثير من الدول ومنها تركيا، وكلنا شاهدنا شكاوي النخب التركية ومنهم رموز سياسية لها وزنها في تركيا من سيطرة قطر وتنظيم الإخوان المسلمين على الجزء الأكبر من الاقتصاد التركي وتجييره لصالح تجارة التنظيم في حروب عابرة للحدود وللمصالح التركية ومنها تورط تركيا في الحرب الليبية والسورية وتشير التوقعات إلى احتمال تحضيرها لتكون قاعدة لحرب قادمة على الصين.
ورطة الرئيس أردوغان في العلاقة مع قطر لن يضر قطر أبدا، لكنها ستروي في قادم الأيام كيف أن تحالف “البغل” مع “القراد” يؤدي إلى إصابة البغل ب”القراد” ولن يتضرر القراد أبدا، فأيا كان يبقى القراد قرادا كما قال سفير السعودية السابق لدى أمريكا، الأمير بندر بن سلطان.

أما عن استناد التكهنات على عودة قطر للبيت الخليجي، وعبر ذلك تعود تركيا وكأن شيئا لم يكن، فهو تكهن أقرب من أحاجي وألغاز المشعوذين، فالمصالحة الخليجية وإن تمت فهي ليست الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، وأما أسباب عزل قطر عن محيطها فهي واضحة ولا تستطيع قطر إزالتها، فهي في خلاصتها تمثل الاستثمار الأكبر في تاريخ هذه الأمارة الصغيرة وهو الاستثمار الوحيد لها، الاستثمار في خراب محطيها العربي ليكتب لها السيطرة عليه، وقد بلغت حجم الاستثمارات القطرية في تأسيس الخراب وإدارته تريليونات الدولارات منذ العام 1995 تاريخ انقلاب الإخوان على الدولة برعاية الابن حمد بن خليفة على والده خليفة أل ثاني وحتى اليوم، حيث تم تدمير الدولة على حساب إحياء التنظيم ومنحه صفة لا يحتملها وهي صفة الدولة والمؤسسات.
لا يمكن لقطر التخلي عن الاستثمار الترليوني لها في الخراب دونما مكافآت تعوض بها جزء من بذخها المديد على المشروع الإخواني، ويستحيل أن تقبل المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة بمكافأة من استثمر في خرابها بل العكس سيكون قادة السعودية والإمارات أشداء على قطر في مطالبتها بتسليم أوراق استثماراتها ورؤوسهم السعودية والإماراتية للمحاكمة في دولهم، لن تمانع الدولة التركية ذلك إن استطاعت التخلص من براثن قطر وتنظيمها الإخواني، يبدو إن المعادلة صعبة ولكنها ليست مستحيلة ويعلم الرئيس أردوغان أن مصيره متوقف على القبول بالشروط السعودية الاماراتية وأن بقاءه في الصف القطري الإخواني يهدد مصيره ومصير الدولة التركية برمتها للمخاطر الجمة.

عودة إلى صحيفة ” الغارديان” التي عزت تأثير أردوغان في العام الجديد إلى زيادة تدخله في الشأن السوري والليبي وربما دول أخرى في أوروبا وأفريقيا، متناسية أن هذا التدخل سيكون مانعا حقيقا لعودة العلاقات التركية مع السعودية والامارات ودول الاتحاد الأوروبي، مسعى أردوغان ومخرج إنقاذه وإنقاذ دولته، كما ذكرت الصحيفة بداية، فلا يمكن للسعودية والامارات أن تقبلا أي حضور تركي في سوريا أو في ليبيا، استنادا إلى بداهة تعتمد عليها السياسة في البلدين حيث يمتد الأمن القومي لدول الخليج من سوريا إلى المغرب ولا يمكن المساومة على ذلك بالنسبة لهما، لذا فأن معاركهما مع تركيا ليست على خلفية مصالح محلية بحتة وإنما بسبب تدخلات تركية في شؤون الدول العربية ومحاولتها فرض تنظيم الإخوان المسلمين بكل خراباته ومنكراته عليها وهو أمر ظاهر للجميع.
اضافت صحيفة “الغارديان” أن الزعماء الذين سيشاركون أردوغان في التأثير على مشهد العام الجديد هم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري بشار الأسد والفرنسي ايمانويل ماكرون ومستشارة ألمانيا، أنجيلا ميركل، وجو بايدن رئيس الولايات المتحدة الجديد.

إذا سلمنا الأمر بأن رؤساء الدول الصناعية القوية تأثيرهم متواصل بقوة الاقتصاد إلا إننا نقف حائرين أما حضور الرئيس السوري، بشار الأسد، الذي أوصل بلاده وشعبه إلى حالة توجع قلب المتابع البعيد الغريب، وإنه وضع نفسه أمام الاستحالات كلها، فلا قدرة له للتخلص من إيران ولا من روسيا ولا من تركيا وهو بطل بلا منازع في إضاعة الفرصة تلو الأخرى للخروج من مآزقه التي لا تنتهي، يكاد الخبر أن يقول، أن الرئيس الأسد سيكون له تأثيرا إن ذهب أخيرا لحبل النجاة الذي ينتظره والذي أوضحه المبعوث الأمريكي الجديد، جويل رايبورن إلى سوريا، باختصار شديد، الاستماع للولايات المتحدة الأمريكية وحدها دون سواها وإلا فأن حالة الموت البطيء للرئيس والدولة في سوريا ستتواصل إلى أن ترى أمريكا مخرجا، ولنا في أمثلة سابقيه صدام حسين وعمر البشير لحكايات لأولي الألباب، فأي تأثير لرئيس يتنعم بالسلطة في ظل عقوبات خانقة ويعجز عن يطرح حتى اليوم، حلا واحدا لمشكلة مهما كانت بسيطة؟!!! كيف سيطرح حلولا لمشاكل مركبة؟!