عند عودة زوجي من الحدود التركية السورية ، انخرط مع ثوار الجهة الشمالية في حماه ، ومات في كهف مع مجموعة من المقاتلين إثر قصفهم بصاروخ موجه من قبل الجيش السوري . هو ميت قبل أن يموت ، هذا ماقالته ابنتي في ابيها. فالإنسان داخله قتل عندما لم يستطع أن يدافع برجولة عن ميراثه الحقيقي في الوجود. لم يكن أبا بالمعنى المكتمل للأبوة.
لقد بقيت جثته تحت الركام فترة من الزمن ، وأخرجوه أشلاء ممزقة.، أما وجهه فقد كانت ملامحه ضائعة تماما. لحظة سماع خبر وفاته ، صمتت قليلا وزغردت طويلا دون أن ينتابني أي شعور بالندم والعار تجاه ما قمت به . إن الإحباط الذي زرعه فينا انا وابنتي يحتاج سنوات طويلة لحصده والتخلص من أثاره. حاولت عندما كنت في حمص ان آتي مع ابنتي الى تركيا ،لكن كان من الصعب الانتقال دون محرم عبر حواجز الاسلاميين.فعرضت عليه مرافقتنا ، فوافق دون تلكؤ. حين سمعت بموته وزعت خمسين ربطة خبز، ليس تكريما لروحه النبيلة ، بل أضحية لرب العالمين لأنه سبقني في التخلص منه. ارسل أهله لي صور جثته المشوهة ، مع عبارات تدينني ، لأني هربت مع ابنتي ، وتركته وحيدا في تلك المزرعة النائية على الحدود التركية السورية ، بعد رفضي مساعدته في إرسال الحوالات المالية إلى الجهاديين الإسلاميين المتشددين في سوريا .. قلت له : كل من يشبهك ويشبه إخوتي وصهري ، لن يصير العالم اجمل بهم. جن جنونه ، فاندفع نحوي وبدأ يصفعني وهو يعوي من الغضب . في اليوم التالي منع ابنتي من الذهاب إلى المدرسة واجبرها على العمل معي في الزراعة داخل البيوت البلاستيكية ، حتى وقت متأخر من الليل البهيم . كنا نعود متعبتين فيلاقينا بوجه محتشد بالدخان وبابتسامة حجرية ليس بها حياة . أبدا لا شفقة يمكن أن تنغرس في روحه القفراء كصحراء ، إنه مهجور كذلك البيت الذي عشنا فيه قرابة السنة ، حيث لا تلفاز ولا تليفون ، ولا حمام دافئ ولا مدفأة ولا حتى شبكة أنترنت نتسلى بها ولا خزانة نضع بها حقائبنا . كنا متروكتين ومنسيتين ، في ذلك المكان المعزول عن العالم ، ولم يكن يذكرنا به سوى سيارة نقل تمر كل ساعة باتجاه مدينة مرسين . ابنتي حثتني على تركه ، قائلة وهي تبكي : ماما لا نحتاج إليه. دعيه يعيش في عالم النساء والحرب . لن يقهره أحد غيرهما . سأعمل إلى جانبك وأسندك بروحي العنيدة كصخر حمص الأسود . علينا أن نغادر هذه الأرض ، إننا عشب غريب فوق تربتها . أريد أن أتعلم. سأذهب وحدي إن لم تأتي معي . وافقت وخططنا جيدا للذهاب دون أن يحس بما نفعل . مساء خبأت حقيبة السفر الكبيرة بين الأشجار القريبة من الطريق .. وصباحا في الساعة السابعة لم نذهب إلى العمل بل مباشرة إلى السرفيس الذي يأتي تماما في هذا الوقت . كنا حذرتين وخائفتين جدا ، لكن في النهاية أخذت المال الذي كان يريد أن يرسله إلى الجهاديين في سوريا ، وذهبنا ونحن ننظر إلى ضوء الصباح وهو يمزق بشعاعه بلور النافذة المتسخ بفعل الإهمال .كان البيت نائما كليا ويابسا مثل قلبه. وشعرنا بالامان بعد أن غاب عن مرمى بصرنا هيكل البيت وهياكل البيوت البلاستيكية .
مقتطف ٩..ضياع في استنبول.
13